ثورة الذكاء الاصطناعي في الحقبة الرقمية



ظل الذكاء الاصطناعي لمدة طويلة مقصورًا على المشروعات البحثية الجامعية ومراكز الأبحاث والتطوير لدى مزودي التقنية. لكن في السنوات الأخيرة، بدأ تضمين عناصر الذكاء الاصطناعي في الهواتف الذكية والخدمات عبر الإنترنت لينتشر الذكاء الاصطناعي بالفعل على مستوى الشركات، ويُستخدم في تحسين خدماتها الداخلية والخارجية. حيث يُتوقع بلوغ الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي 52,24 مليار دولار عام 2021.

عادة ما تتصدر منطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا طليعة الابتكار المتعلق بتقنيات مثل الهواتف النقالة، وإنترنت الأشياء، و«بلوك تشاين». وعلى نحو مشابه، تتبنى الحكومات والمؤسسات على مستوى المنطقة الذكاء الاصطناعي مع تطلعها إلى توفير خدمات جديدة وتحسين مستويات الكفاءة لديها. فعلى سبيل المثال، نرى الذكاء الاصطناعي في صميم طموحات التحول المنصوص عليها في مبادرة «رؤية 2030» الخاصة بالمملكة، بينما وضعت دولة الإمارات «استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي» لتواكب تطلع الحكومة إلى توفير جودة حياة أفضل.

يستحضر الذكاء الاصطناعي موجة تحول جديدة على مستوى مختلف القطاعات، ويعزز الطلب على مجموعات جديدة من المهارات، ويوجه الحوار حول الحوكمة والأخلاقيات، ويتعين على المؤسسات تحديد المواقع الأنسب في عملياتها لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد النتائج التي تطمح إلى تحقيقها.

نظرة عامة

جرى على مدار العام الماضي كثير من النقاشات والمحادثات بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي، على المستويين العالمي والإقليمي. وعادة ما تعلقت هذه المناقشات بالأنواع الجديدة من الأبحاث التي تستعين بالذكاء الاصطناعي، والاستخدام الناجح للذكاء الاصطناعي في تحقيق نتائج عملية، والفقدان المحتمل للوظائف المهنية بسببه، وموضوع حلول الآلة محل البشر المطروح للنقاش على نطاق غير مسبوق. ويحفز هذه النقاشات بشكل رئيسي حقيقة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مفهومًا مقصورًا على المراكز البحثية مع انتشار هذه التقنية بشكل متزايد على مستوى خدمات المستهلكين والشركات.

ما هو الذكاء الاصطناعي؟

يمكن تعريف الذكاء الاصطناعي ببساطة بأنه النشاطات المكرسة لجعل الآلات ذكية. ويمكن تعريف الذكاء الاصطناعي/الإدراكي بأنه «نظم قابلة للتعلم واستخدام المنطق والتصحيح الذاتي. فالنظام يفترض الإجابات المحتملة ويشكلها بناء على البرهان المتاح، ويمكن تدريبه عبر استيعابه لكميات هائلة من المحتوى، ويتهيأ تلقائيًا ويتعلم من أخطائه وإخفاقاته».

ويُستعان بالذكاء الاصطناعي بالفعل في كثير من شركات التقنية، والتجارة الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي، إما في توفير خدمات جديدة أو تحسين خدماتها القائمة. فعلى سبيل المثال، جرى تضمين أدوات المساعدة الشخصية الرقمية الذكية مثل «سيري» الخاصة بـ«أبل»، و«أليكسا» الخاصة بـ«أمازون»، و«كورتانا» الخاصة بـ«مايكروسوفت»، و«أوكي جوجل»، في مجموعة متنوعة من الأجهزة والنظم. وتشمل الأمثلة الأخرى على الاستخدام الحالي للذكاء الاصطناعي التعرف على الوجه عند تحميل صورة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتوصية بالمنتجات على مواقع التجارة الإلكترونية، والحماية من البريد المزعج في الأنظمة البريدية، وحتى التمكن من تحديد أفضل الطرق لقائدي السيارات خلال ساعات الذروة.

هناك عوامل كثيرة تدفع المؤسسات لاستخدام الذكاء الاصطناعي على مستوى صناعات عديدة، وتشمل:

نمو البيانات المتسارع: من المتوقع وصول حجم البيانات العالمية إلى 163 زيتابايت بحلول عام 2025، بعدما بلغ 16 زيتابايت عام وهناك حاجة متزايدة إلى فهم هذه البيانات وتحليلها للوصول إلى نتائج استراتيجية أو لاتخاذ القرارات بشكل فوري. وسيتيح استخدام الذكاء الاصطناعي للشركات تحليل وإدارة بياناتها بشكل أسرع، مع إمكانية تكرار العملية عدة مرات وبأقل مجهود بشري. ويمكن أيضًا الاستعانة بهذه البيانات في تدريب نظم الذكاء الاصطناعي لتوفير نتائج/خدمات مطوَّرة، أو لتشارك المؤسسات في التعلم المتعمق.
الرغبة في تحسين الإنتاجية: تمثل أتمتة المهام لتوفير وقت موظفي المعرفة ليتمكنوا من التركيز على المهام الأكثر أهمية وإنتاجية دافعًا رئيسًا لتبني الذكاء الاصطناعي على مستوى صناعات متعددة. كما يساعد هذا المستوى من الأتمتة في معالجة الثغرات لدي مهارات الموظفين في داخل منشئاتهم؛ إذ تمكن إعادة تدريب موظفي المعرفة لتنفيذ مهام أخرى.
تشارك المؤسسات على مستوى المنطقة في نماذج تجريبية وتجارب إثبات المفهوم التي تستعين بأشكال متنوعة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتقيِّم أنواع مختلفة من حالات الاستخدام. والذكاء الاصطناعي مصطلح واسع يشمل جوانب عدة مثل؛ تعلم الآلة، والتعلم المتعمق، ومعالجة اللغة المحلية، والتعرف على الصور، ونظم التوصية. وأفضل طريقة لفهم هذا هي اعتبار الذكاء الاصطناعي مصطلحًا جامعًا يشمل تعلم الآلة ومعالجة اللغة المحلية. ثم يتفرع من تعلم الآلة التعلم المتعمق.

يُعرف تعلم الآلة بأنه عملية خلق نموذج إحصائي من أنواع مختلفة من البيانات، ويؤدي مهام متعددة دون الحاجة إلى برمجته. و«تُدرب» نماذج تعلم الآلة بواسطة أنواع مختلفة وكثيرة من البيانات. فعادة ما يشتمل تعلم الآلة على ثلاثة أنواع من التعلم (هي؛ الخاضع للإشراف، غير الخاضع للإشراف، المعزَّز). وتضم الأمثلة على تعلم الآلة نظم التنبؤ بالطلبات، ونظم التوصية (تستخدم في اقتراح المنتجات لمستخدمي مواقع التجارة الإلكترونية)، وكشف عمليات الاحتيال.
التعلم المتعمق بالأساس هو تعليم عميق أو طبقات من التعلم، وهو جزء من تعلم الآلة. وتشمل الأمثلة على استخدام التعلم المتعمق القيادة الذاتية، والتعرف على الصور، والمراقبة بالفيديو، والتشخيص.
معالجة اللغة المحلية هي القدرة على استخلاص الأشخاص، والأماكن، والأشياء (تُعرف أيضًا بالكيانات) وكذلك الأفعال والعلاقات (تُعرف أيضًا باسم النوايا) من الجمل ومقاطع النصوص غير المنظمة. وتشمل فهم اللغة المحلية وتوليدها. وتوليد اللغة المحلية هو القدرة على بناء سرديات نصية/محادثية من البيانات المنظمة أو شبه المنظمة. وتشتمل الأمثلة على تحليل الآراء، والإجابة عن الأسئلة، والترجمة الآلية.

 

 

أحيانًا قد تشمل حالات استخدام الذكاء الاصطناعي المختلفة استخدام عناصر مختلفة من كل من هذه التقنيات بناء على شكل الأتمتة أو النتيجة المرجو تحقيقها.

 

 

 

حالات استخدام الذكاء الاصطناعي

حين يتعلق الأمر باستخدام التقنيات المبتكرة مثل الذكاء الاصطناعي، من المهم بالنسبة للمؤسسات أن تحدد «حالة الاستخدام» التي تسعى إلى تطبيقها لضمان تحقيق النتيجة المرجوة. يركز هذا النهج بالأساس على القيمة التجارية الناتجة عن استخدام التقنية، وليس التقنية ذاتها. وتوجد حاليًا حالات استخدام ذكاء اصطناعي عديدة على مستوى صناعات متنوعة وتشمل:

برامج خدمة العملاء الآلية: يكمن الهدف في توفير خدمة العملاء من خلال برنامج تعلم يفهم احتياجات العملاء ومشكلاتهم. ويسعى إلى تقليل الوقت والموارد المستهلكة في الرد على استفسارات العملاء وحل مشكلاتهم. ويمثل هذا حالة استخدام منتشرة على مستوى عدة قطاعات مثل قطاعات البنوك، والتأمين، والتجزئة، والحكومة، والرعاية الصحية، والاتصالات، والإعلام. وتشمل الأمثلة روبوتات الدردشة على مواقع التجارة الإلكترونية، أو أدوات الذكاء الاصطناعي مثل «إيفا» التي يستخدمها بنك «الإمارات دبي الوطني» في دولة الإمارات.
الذكاء التنظيمي: يتيح الذكاء الاصطناعي للشركات معالجة الامتثال التنظيمي الفوري بشكل لحظي عبر تقديم رؤى يمكن التصرف على أساسها، مما يقلل المخاطر، ويعالج المشكلات عند ظهورها. وهذه الحالة بارزة على مستوى القطاعات المنظمة مثل قطاعات البنوك والمالية، والطاقة، والمرافق. كذالك يُستخدم الذكاء الاصطناعي في مكافحة غسل الأموال، وأغراض كشف عمليات الاحتيال.
مستشارو البرامج ونظم التوصية: يستخدم الذكاء الاصطناعي/القدرات الإدراكية لدعم تفاعل المستخدم أو المعالجة عبر مطابقة احتياجات المستخدم مع المنتج أو الخدمة الأنسب له. وتستخدم هذه الحالة البنوك، وشركات التجزئة، والحكومات، وشركات التأمين، ومشغلي خدمات الاتصالات. وتشمل الأمثلة التوصيات التي تُقدم للعملاء بناء على مشترياتهم عبر الإنترنت، والطريقة التي تقترح بها البنوك وشركات التأمين المنتجات/الخدمات المناسبة بعد طرح مجموعة من الأسئلة على عملائها.
نظام الحماية والوقاية الالي الذكي: يُستخدم الذكاء الاصطناعي في معالجة تقارير المعلومات واستخلاص أجزاء المعلومات البالغة في الأهمية منها، وربط نقاط الاتصال بين المعلومات المختلفة مثل التهديدات التي تواجهها قواعد البيانات والنظم والمواقع وما إلى ذلك. وتشمل الأمثلة استخدام الذكاء الاصطناعي في مراقبة الشبكات ورصد التهديدات.
نظم الاستخبارات الحكومية والتحقيق ومكافحة الإرهاب والدفاع: تُستخدم نظم الذكاء الاصطناعي في دعم الخدمات الأمنية على المستوى المحلي ومستوى الدولة والمستوى الاتحادي عبر تحديد التهديدات ضد الموظفين والأصول والبنية التحتية ورصدها والاستجابة لها. وتشمل الأمثلة استخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين نظم المراقبة وإتاحة تحديد الهوية عند الحدود، وكذلك استخدام الروبوتات في تحسين الأمن بالأماكن العامة.
التشخيص والعلاج: يشمل هذا تشخيص الحالات وإتاحة العلاج المخصص للمرضى على المستوى الفردي من خلال توفير اّراء الترابط في مجموعات متنوعة من البيانات، ومنها السجلات الطبية، ونتائج التحليلات، والدراسات السريرية والأشعة.
نظام الصيانة الوقائية الآلي: يستخدم هذا النظام بيانات السجل الآلي من مصادر مختلفة، ويساهم بها في نموذج يقدم توقعات وتنبيهات خاصة باحتياجات الصيانة المحتملة.
توصيات عمليات المبيعات وأتمتتها: يعمل الذكاء الاصطناعي والمحركات الإدراكية مع نظم إدارة علاقات العملاء لمعرفة الأنسب للعميل بشكل فوري، وتوصية وكلاء المبيعات بخطوات هي الأنسب في كل حالة من أجل مساعدتهم في جذب العملاء أو إتمام عملية بيع.
التعلم التكيفي: يعدِّل هذ النظام كيفية تقديم المواد التعليمية بما يتلاءم مع أداء الطالب. وبذلك يتكيف مع الاتجاهات المختلفة بشكل فوري عند كل تفاعل يجريه الطالب أثناء الدروس وفيما بينها. وتوفِّر «ألف»، منصة الذكاء الاصطناعي في الإمارات، نظامًا تفاعليًا يتيح للطلاب تعزيز التعلم الذاتي.
أدوات المساعدة الرقمية لموظفي المعرفة بالمؤسسات: تساعد أدوات المساعدة الرقمية الموظفين في الإجابة على الأسئلة، وتوقع الأحداث المستقبلية، وتقديم توصيات داخلية متعلقة بمكان العمل. وتطبق هذه النظم الذكية تعلم الآلة على مجموعات كبيرة من البيانات، ما يعزز الابتكار، والتعاون، والإنتاجية الأكبر للموظفين، وبالتالي ترفع العائد من أصول المعلومات لأكبر حد ممكن.
تساعد حالات الاستخدام هذه المؤسسات في تحسين عملياتها لأقصى درجة ممكنة، وتحسين تجربة العميل/المستخدم، وضمان توفير التكاليف، بل وإيجاد منتجات وخدمات جديدة. وسيصبح الذكاء الاصطناعي منتشرًا على نطاق أوسع في المجتمع مع تضمين قدرات الذكاء الاصطناعي في الأجهزة الاستهلاكية، ووسائل النقل العامة، ونظم الرعاية الصحية، والتعليم، وخدمات المواطنين.

تبنِّي الذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا

يمثل الذكاء الاصطناعي تقنية محوِّلة للمؤسسات في منطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا، ويُتوقع بلوغ الإنفاق السنوي عليه في المنطقة 156 مليون دولار بحلول عام 2021، ما يمثل معدل نمو سنوي مركب على مدار خمس سنوات قيمته 40,7 بالمئة. وتتنوع صور تبني الذكاء الاصطناعي في المنطقة، فدول مثل المملكة السعودية والإمارات وجنوب أفريقيا قد طبقت بالفعل حالات استخدام محددة، أو تضع استراتيجيات وخطط تنمية بعيدة المدى لتبنّي الذكاء الاصطناعي.

 

 

 

 

وضعت الإمارات خارطة طريق استراتيجية لإدراج الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، وسلطت الضوء أكثر على التزامها بالابتكار عبر تعيين وزير للذكاء الاصطناعي، وهو المنصب الأول من نوعه في العالم. وتمثلت إحدى أولى حالات استخدام الذكاء الاصطناعي بالإمارات في «رشيد»، وهو نظام أو مرشد ثنائي اللغة معتمد على الذكاء الاصطناعي في دبي، ودوره أن يكون جهة اتصال وحيدة لتوجيه المستخدمين عبر توفير المعلومات المتعلقة بخدمات الحكومة والمواطن. وأصبح وكلاء الذكاء الاصطناعي لخدمة العملاء منذ ذلك الحين منتشرين في قطاعي البنوك والمرافق، وتوجد أيضًا أمثلة على استخدام الذكاء الاصطناعي في ممارسة الطب، والمساعدة في الطوارئ وإدارة الأزمات، وتسهيل عمليات الطيران. ويُستخدم الذكاء الاصطناعي في أفريقيا في قطاعي البنوك والتأمين، بينما ظهرت أيضًا حالات استخدام في مجالات متنوعة مثل الحفاظ على الحياة البرية وتوصيل الدواء عن بعد.

يلعب الذكاء الاصطناعي في المملكة دورًا رئيسًا في تحقيق طموحات التحول المنصوص عليه في مبادرة «رؤية 2030» ويدفع الابتكار بشكل عام. فمشروع «نيوم» الطموح الذي قيمته 500 مليون دولار سيُدار بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، بينما ستقود تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والخدمات السحابية العديد من الخدمات المتصلة فيما بينها، والتي سيستفيد منها السكان والزوار لتسهيل عيش تجربة سلسلة وراقية. وفي أكتوبر 2017، أكدت المملكة التزامها بتعزيز تقدم الذكاء الاصطناعي عبر منح الجنسية لروبوت «شبيه بالبشر» يحمل اسم «صوفيا».

بلا شك سيكون للروبوتات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي دور رئيسي في مستقبل المملكة، بدءا بوجودها في «نيوم» إلى تضمينها في العمليات اليومية في عدة قطاعات رئيسية. كما سلطت المملكة الضوء أكثر على التزامها اتجاه الابتكار عبر الاستثمار في الشركة اليابانية «سوفت بانك»، التي ابتكرت روبوتات شبيه بالبشر مثل «بيبر» و«ناو» التي تستخدم على مستوى القطاعات في أغراض خدمة العملاء والمعلومات.

ستكون التقدمات في الذكاء الاصطناعي هامة لضمان الدمج الناجح للروبوتات في المجتمع. فهذه الروبوتات مختلفة عن روبوتات التصنيع بما أن الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في تعليمها مهارات التفاعل والمشاركة البشرية. وسيُستخدم الذكاء الاصطناعي في ضمان استطاعة هذه الروبوتات التواصل بلغات مختلفة وتنفيذ العديد من المهام الروتينية. وقد ارتبطت حالات الاستخدام الأولى للروبوتات العاملة بالذكاء الاصطناعي على نطاق واسع بتقديم خدمة العملاء، ورعاية المرضى، والمساعدة العامة.

الجدير بالذكر أن هذه روبوتات مجسمة. فهي مختلفة عن الروبوتات «البرمجية»، التي تُعرف أيضًا باسم أتمتتة العمليات الروبوتية؛ وهي برنامج يحاكي الأفعال البشرية ويُستخدم في أتمتة أي مهام بسيطة. ويقوم على قواعد تحدَّد للنظام. لكن الذكاء الاصطناعي يتجاوز ذلك كثيرًا، إذ يتكون من نظم قائمة على قواعد، ويضمن أن الآلة يمكنها التعلم من البشر والاستجابة لهم. كما أنه أسرع كثيرًا وقادر على الاستجابة للسيناريوهات غير المتوقعة. ويحسِّن العديد من مزودي خدمات أتمتتة العمليات الروبوتية تلك الوظائف باستخدام الذكاء الاصطناعي.

يخلق هذا الطلب على الذكاء الاصطناعي منظومة جديدة تتكون من تطبيقات متخصصة وعمليات معتمدة على الذكاء الاصطناعي/التقنيات الإدراكية، والخدمات/العمليات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي/التقنيات الإدراكية بين الشركات، وخدمات المستهلكين المعتمدة على الذكاء الاصطناعي/التقنيات الإدراكية. وقد أدى هذا التوجه نحو تبني حلول الذكاء الصناعي/التقنيات الإدراكية إلى تأسيس العديد من الشركات الناشئة في المنطقة التي تعزز الابتكار والتنويع الاقتصادي في نطاق أوسع.

تحديات متعلقة بتبني الذكاء الاصطناعي

ترتبط التحديات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي إلى حد كبير بالطريقة التي ستُدار وستُستخدم بها البيانات لتدريب النظام.

التحيز: يتعين على المؤسسات ضمان أن البيانات التي تُستخدم في تدريب النظام تتضمن أقل درجة ممكنة من التحيز. فمجموعات البيانات المنظمة والمصقولة تعد ضرورة لضمان الاستجابة الصحيحة من النظام. وأي تحيز يقدَّم للنظام يمكن أن يحقق نتائج غير متوقعة وغير مرغوب فيها.

الخصوصية: تتمثل إحدى أكبر حالات استخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين خدمات المستهلك ومشاركته. ويتطلب هذا من المؤسسات أن تضمن خصوصية البيانات وأمنها عند جمعها لتقديم تلك الخدمات. ومن الهام بالنسبة للمؤسسات أن تضمن التزامها بالمعايير العالمية لخصوصية البيانات مثل النظام الأوروبي لحماية البيانات العامة. وتزود هذه الأنظمة العملاء بتحكم أكبر في بياناتهم وكيفية استخدامها من أجل تحسين الشفافية بشكل عام عند استخدام الخدمات.

الثقة: في عالم مليء بالخدمات الذاتية، تكون الثقة أمرًا هامًا. وتجلب السيارات بلا سائق هذه المشكلة إلى الواجهة. فإن لم تستجب السيارة في الوقت المناسب وبالطريقة الصحيحة، يمكن أن تكون مميتة. ويحتاج المستخدمون إلى أن يثقوا بأن النظام سوف يستجيب للحوادث بشكل سليم وفوري.

المهارات: تمثل المهارات تحديًا رئيسًا أمام العملاء والمزودين والشركاء. فمزودي التقنية في المنطقة يتعاونون مع الحكومات والمؤسسات التعليمية لتدريب الطلاب فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي. ويتعين على الشركاء والعملاء دراسة موضوع إعادة تدريب الموظفين الموجودين في المجال نفسه أيضًا.

شركات الاتصالات والذكاء الاصطناعي
ستلعب شركات الاتصالات دورًا رئيسًا في ضمان تحقيق حالات استخدام الذكاء الاصطناعي العديدة. فحتى مشروعات إنترنت الأشياء المحسَّنة بخدمات الذكاء الاصطناعي تتطلب أن تلعب شركات الاتصالات دورًا رئيسًا. وتشمل هذه المشروعات السيارات ذاتية القيادة، ونظم إدارة النقل الذكية، واستخدام الطائرات بلا طيار في الصيانة الوقائية. ومن أجل تطبيق هذه المشروعات بشكل فعال، يتعين أن تعتمد بشدة على شركات الاتصالات التي يمكنها توفير خدمات توصيلية متفوقة مثل خدمات الجيل الخامس.

تستخدم شركات الاتصالات الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد في تحسين خدمات الشبكات والعملاء لديها، مثل استخدام روبوتات الدردشة في التفاعل مع العملاء، واستخدام الذكاء الاصطناعي في إتاحة الإصلاح الذاتي وتأمين الشبكات. ويمكن للشبكات ذاتية الإصلاح أن تصل إلى الحد الأقصى من مستوى الكفاءة التشغيلية وأن تختار المسار الصحيح للتصرف من أجل ضمان الجاهزية دون الحاجة إلى التدخل البشري. كذلك يحسَّن استخدام الذكاء الاصطناعي في شركات الاتصالات تجربة العملاء بشكل عام.

تنوع شركات الاتصالات بشكل متزايد مجموعات خدماتها، وتصبح شريكة رئيسة في مجال خدمات تقنية المعلومات بالنسبة لعملائها من المؤسسات. وبوجود الذكاء الاصطناعي، لن تكون شركات الاتصالات قادرة على دعم عملائها في تطبيق خدمات الذكاء الاصطناعي فقط، بل وستوفر أيضًا منصات تمكن عملائها من استخدام خدمات الذكاء الاصطناعي.

تستفيد شركات الاتصالات بوضوح من الذكاء الاصطناعي، من حيث تحسين عملياتها الداخلية لأقصى درجة وتقديم خدمات مُحسَّنة.

الخاتمة
بلا شك سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى موجة جديدة من تجارب المستخدم/العميل الأرقى والمبتكرة. لكن على الرغم من الفوائد الواضحة للذكاء الاصطناعي، يرى كثيرون أن انتشاره يعني بالضرورة فقدان الوظائف، وفي بعض الحالات النادرة، سيطرة الروبوتات على العالم. وسيؤدي الذكاء الاصطناعي كحال التقنيات الأخرى إلى تحول في نوع الوظائف التي سيؤديها البشر، وليس تسريح العمالة على نطاق واسع. وستتعين إعادة تدريب ذوي المهارات التي لم تعد مطلوبة؛ وبالتالي فإن الذكاء الاصطناعي سيخلق طلبًا على وظائف جديدة مثل مدربي الذكاء الاصطناعي، ومصممي نماذج تفاعل الآلة، ومحللي الأعمال الذين بإمكانهم ضمان الدمج السلس للذكاء الاصطناعي في الوظائف التجارية.

مع استمرار تقدم الذكاء الاصطناعي، يميل الإعلام الشعبي إلى تسليط الضوء على مشكلة حلول الروبوتات محل البشر، لكن من غير المرجح تمامًا أن يحدث هذا. فمصطلح «التفرد» يصف الوضع حين يكون الذكاء الاصطناعي مساو أو متفوق على البشر، لكن تحقيق هذا المستوى من الاستخدام سيتطلب تقدمًا هائلًا في قوة الحوسبة، واللوغاريتمات، والتشريعات الداعمة. وبينما قد يكون مثل هذه التقدمات ممكنًا في المستقبل البعيد جدًا، فإنه ليس حتى احتمالًا بعيدًا على المدى القريب.

يبدو واضحًا أن طريقة تقديم المؤسسات للخدمات تتطور. ففي حالات عدة، لا يدرك العملاء أنهم يتفاعلون مع نظم الذكاء الاصطناعي، لكن التقنية سترتقي بتوقعات العملاء كثيرًا. وقد أحدث الذكاء الاصطناعي بالفعل على مستوى منطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا تغييرًا جذريًا في طريقة تقديم البنوك وشركات الاتصالات والكيانات الحكومية لخدمة العملاء، ويُستخدم التعرف على الصور لأغراض أمنية، ويُستعان بنظم التوصية في تحسين خدمات التجارة الإلكترونية. وتعد فوائد استخدام الذكاء الاصطناعي واضحة، وإن عزمت المؤسسات على تحقيق أهداف تحولها الرقمي والمحافظة على أهميتها في اقتصاد رقمي متغير، يتعين عليها تبني نهج استباقي في تحديد حالات استخدام الذكاء الاصطناعي الأكثر إفادة لها في ظروفها الخاصة.

الرابط المخصتر للمقال:

تابعنا على تويتر والفيسبوك واليوتيوب ليصلك كل ما هو جديد

صفحتنا على الفيسبوك |صفحتنا على تويتر
تنوية هام: الموقع غير مسئول عن صحة ومصداقية الخبر يتم نشره نقلاً عن مصادر صحفية أخرى، ومن ثم لا يتحمل أي مسئولية قانونية أو أدبية  وإنما يتحملها المصدر الرئيسى للخبر. والموقع يقوم فقط بنقل ما يتم تداولة فى الأوساط الإعلامية المصرية والعالمية لتقديم خدمة إخبارية متكامله. 
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock